حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
182
شاهنامه ( الشاهنامه )
وقال : أيها الملك العاقل ! ماذا حدث وأوجب مجيئك في أهبة الحرب ؟ وكيف تقدم على قتلى بغير جرم وذنب فتثير نائم الفتن ، وتشمل العالم بالمحن ؟ فعارضه كرسيوز المنافق ، وقال : كيف يسمع منك هذا الكلام وقد استقبلت الملك في صورة المنابذ ، وأهبة المحارب . فأمر أفراسياب عسكره بوضع السيف فيهم ، يعنى أصحاب سياوخش ، فاشتعلت بينهم نارا الحرب في ذلك الفضاء ، وتواردوا حياض الموت توارد الإبل الهيم مشارع الماء . وكان الإيرانيون زهاء ألف فارس فقتلوا خلقا كثيرا من الأتراك حتى صار الأمر إمراء ، وغمرتهم أمواج الفناء غمرا . وجرح سياوخش في عدّة مواضع من بدنه ، وفارق ظهر فرسه ، وقاتل ساعة راجلا . ثم أسروه وأتاه المعروف بكروزِرِه ، فشدّ يديه ، ووضع غلا على عنقه . فساروا بالشاب العزيز راجلا ، ولم يراقبوا اللّه فيه آجلا ولا عاجلا ، وتوجهوا نحو مدينته التي بناها . فأمر به أفراسياب أن يعدلوا به عن الطريق إلى سفح بعض الجبال ، ويقطعوا هناك رأسه . فاجتمع عليه عند ذلك عسكره يقولون : أيها الملك ! بأي جرم تقتل من يبكى عليه التاج والتخت ، وينقلب بقتله الشرق والغرب ؟ وكان كرسيوز يستعجله ويحرّضه على الفراغ منه . وكان في العسكر أخ لبيران يسمى بيلسم موصوف بالعقل والذكاء ، فقال لأفراسياب : أيها الملك إن العجلة من الشيطان ، وإن الندامة داء الأرواح والأبدان . من استعمل الرفق ، وجانب الخرق لن تزل به قدم ، ولا يعتريه ندم . وليس من الصواب أن تبادر بقتل من هو تحت قدرتك ، وفي رق سطوتك . فالرأي أن تتركه تحت القد والأسر حتى تسكن نائرة سخطك ، وتأمن غائلة غضبك ، ثم ترى فيه رأيك . وعلى الجملة فليس من المصلحة أن تقتل ملكا يكون رستم قد رباه ، ويكون كيكاوس أباه ، فيهيجا لطلب ثاره ، ويجتهدا لنيل أوتاره . ومن ذا الذي يقدر أن يثبت لفرسان إيران وأمرائهم المذكورين وآسادهم المشهورين ، إذا سلوا سيف الانتقام ، وتقحموا غمرات الموت الزؤام ؟ مثل جوذرز وجُرجين وطوس وفرهاذ ورستم بن دستان ، وقريبُرز بن كيكاوس . ولعل بيران يقدم فتسمع من كلامه ما عساه يصرفك عن هذا الرأي . فقال عند ذلك كرسيوز : أيها الملك لا تضع إلى كلام الشبان ، ولا تغتر بمقالهم ، وامض لما رأيت . وإن لم تفعل ، واستبقيت سياوخش فارقتك ونجوت بنفسي إلى زاوية من زوايا الأرض آمن فيها على نفسي . فإنك إن آمنته خفنا معرته ، ولم نأمن مغبته . وتقدّم دمور ، وكُرو وقالا : أيها الملك ! مالك تتردّد في قتل عدوّك ، ولا تقبل قول أخيك وتعلم أنه لا رأس لا لإيران سوى هذا الذي وحصل في يدك ؟ ولو لم تتعرّض له في الابتداء لكان الصواب أن تستبقيه .